كلمة

مداخلة وزير الخارجية أمام الجمعية العامة

تناول وزير الخارجية، فيليب هاموند، في مداخلته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الوضع في سورية، ومكافحة داعش وفكره المتطرف، ومساعدة النازحين في سورية والعراق، والمساعدة في إنهاء مسببات الصراع والفقر.

قبل نحو من 70 عاما، عُقدت أول اجتماعات للجمعية العامة ومجلس الأمن في لندن. وقد كان ذلك إيذانا باتفاق العالم على إدارة ظهره للحرب والسعي بناء مؤسسات السلام وتهيئة الظروف له.

ومن خلال تلك العملية، ومن بين رماد الحرب العالمية الثانية، شرع أسلافنا في تحقيق المسعى المشترك نحو السلام والتنمية والكرامة الإنسانية.

لقد نجحوا حيث اخفقت عصبة الأمم. وإذ ارتفع عدد أعضائها من 51 عضوا في البداية إلى 193 عضوا الآن، فقد أصبحت الأمم المتحدة تجسيدا قويا ومعترفا به دوليا لإرادتنا الجماعية في إيجاد حلول لأصعب ما نواجه من تحديات.

إنها حجر أساس للنظام الدولي القائم على القوانين؛ وهي ترسيخ للقيمة التي نوليها للأمل والكرامة الإنسانية.

وتفخر بريطانيا بالدور الذي لعبته في ولادة هذه المنظمة. تماما كما تشعر بالفخر، بعد مرور 70 عاما، بالدور النشط الذي نقوم به في الشؤون الدولية، بوصفنا العضو الوحيد في مجلس الأمن، والاقتصاد الرئيس الوحيد في العالم، الذي يفي بالفعل بكل من هدف حلف شمال الأطلسي بإنفاق 2% على الدفاع، والأمم المتحدة بإنفاق 0,7% على التنمية.

ولكن، ورغم مرور سبعة عقود، فإن الواقع اليومي لملايين الناس يختلف اختلافا كبيرا عن المُثل التي حددناها في ميثاق الأمم المتحدة.

ورغم الجهود التاريخية التي بذلت وفقا للأهداف الإنمائية للألفية، ما زال أكثر من مليار إنسان يعيشون على أقل من 1.25 دولار يوميا.

وقد دفع الصراع والتطرف وانعدام الأمن في الشرق الأوسط بالملايين من الناس إلى هجر منازلهم، الأمر الذي خلق حالة طوارئ إنسانية ذات أبعاد غير مسبوقة.

وما زالت ملايين أخرى كثيرة من الناس تعيش في ظل أنظمة لا تتيح لها ابداء رأيها في الطريقة التي تحكم بها، وحيث تُحرم من حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

وفي ذات الوقت، يتعرض النظام الدولي القائم على القانون والذي يحفظ السلام بين الدول للتقويض من جانب دول عازمة على انتهاك الوحدة الإقليمية للآخرين، أو انتهاك أهم المحاذير الأساسية المفروضة على أسلحة الدمار الشامل.

وبمحاذاة هذه التحديات، نواجه الأخطار الأبعد مدى لتغير المناخ، والأوبئة العالمية، والمقاومة لأدوية مكافحة الميكروبات – وهي أخطار علينا التصدي لها الآن وبطريقة فعالة إذا ما أردنا تجنب تعريض حياة أجيال المستقبل للخطر.

إلا أن أكبر ما يواجه قيمنا وإرادتنا الجماعية من تحديات هو ما يتعلق بما علينا أن نقوم به تجاه بوتقة الحضارة الإنسانية، سورية والعراق.

لقد تسبب توأما الشر المتمثلان في نظام الأسد القاتل ووحشية داعش بمعاناة الشعب السوري بشكل يكاد يفوق الخيال.

والأزمة الإنسانية، وأفواج اللاجئين الباحثين عن مأوى في الدول المجاورة وفي أوروبا، تؤكد الحاجة العاجلة لإنهاء الصراع، وتجسد امتحانا كبيرا لعزيمتنا.

ولا بدّ لي من أن أشيد بالكرم غير العادي من كل من تركيا ولبنان والأردن، وهي الدول التي قدّمت مأوى مؤقتا لملايين اللاجئين، مؤدية هذا الدور دونما كلل أو ملل على مدى سنوات.

وإنه لحق علينا جميعا أن ندعم هذه الدول في تحملها لهذا العبء؛ وأن نضمن التمويل الكامل لما يصدر من نداءات عن الأمم المتحدة من أجل سورية. وإنني لأشعر بالفخر من كون المملكة المتحدة تقدم ثاني أكبر المساهمات التي تقدمها الدول للجهود الإنسانية في المنطقة.

ونرى أن من المهم أن نسعى لمساعدة النازحين في أقرب مكان ممكن من ديارهم، إذ ستكون هناك سورية جديدة بحاجة للبناء، وسوف تحتاج للاستفادة من مهارات كافة أبناء الشعب السوري.

لكن الاستجابة الإنسانية وحدها لا تكفي. بل علينا أن نتحمل معا مسؤولية العمل على إنهاء الحرب الأهلية الدموية، وإطلاق عملية سياسية بمشاركة الجميع، والعمل معا على سحق داعش وإبادة أيديولوجيته من على وجه الأرض.

ستواصل المملكة المتحدة دورها كعضو أساسي في التحالف الدولي ضد داعش، بما في ذلك ضرباتها الجوية في العراق والتي تفوق ما تقوم به أي دولة أخرى باستثناء الولايات المتحدة، وستواصل ذلك حتى تكون لها الغلبة بغض النظر عن المدة التي سوف يستغرقها ما ينتظر أن يكون صراع أجيال ضد الفكر الإسلامي المتطرف الذي يتسلح به إرهابيو داعش.

غير أن إلحاق الهزيمة بداعش فقط لن يجلب السلام إلى سورية. فالتسوية السياسية الشاملة لجميع الأطراف هي الطريق المستدام الوحيد لإنهاء معاناة الشعب السوري. وعلينا مضاعفة جهودنا لتأسيس عملية سياسية تحت قيادة المبعوث الخاص ستافان دي ميستورا، ومحاسبة من اقترفوا جرائم خلال الصراع.

إن إدارة هذه الأجندة بصورة إيجابية تشكل اختبارا هاما للأمم المتحدة. لقد سدّ طريق إحراز تقدم في مجلس الأمن ردحا طويلا جدا من الزمن. وبات على جميع الأطراف الآن وضع المصالح الضيقة جانبا والتعاون من أجل صالح الشعب السوري، والعمل من جديد لترسيخ قيم هذه المنظمة.

رغم الأزمة الملحة في سورية – ويمكننا أن نضيف إليها الأزمات في اليمن والصومال وليبيا –لا نستطيع التغاضي عن ضرورة العمل الآن لمنع نشوء أخطار مستقبلية تهدد الأمن العالمي.

غير ذلك الجهد الجماعي لا يمكن أن ينجح إلا إذا بلورنا تحليلا مشتركا للأسباب الحقيقية للفقر، وعدم توفر العدل، والصراع الذي يتغذى عليهما.

نحتاج إلى إدراك مشترك بأن المؤسسات القوية والشفافة والفعالة، والاقتصادات المفتوحة والمجتمعات المفتوحة، وسيادة القانون، والتحرر من الفساد هي الظروف التي ستسمح بازدهار التنمية على المدى الطويل، وبالتالي خفض الدوافع التي تؤجج الصراع.

إنها توفر ما سماه رئيس الوزراء، ديفيد كاميرون، “الخيط الذهبي للتنمية”، وهي عنصر حيوي لنجاح أهداف التنمية المستدامة.

من الطبيعي أن تسلك كل دولة طريقها الخاص بها لتحقيق النجاح. ولكن إلى جانب مساعدتنا للدول الأكثر فقرا للتغلب على الصراع والفقر وعدم الاستقرار وصعود منحنى التنمية، فإنه يصب في مصلحتنا جميعا أن تكون التنمية مستدامة على المدى الطويل.

وأساس كل التنمية المستدامة هو الأمن. وبوصف المملكة المتحدة عضوا دائما في مجلس الأمن، فإنها تعتبر الأمن شرطا أساسيا للحكم الصالح والمؤسسات القوية والتنمية الاقتصادية صميم نهجها.

وعليه، وكما تعهد رئيس الوزراء يوم أمس، سوف تستأنف المملكة المتحدة دورا كبيرا في تمكين عمليات حفظ السلام، سيما في أفريقيا حيث ستعمل المملكة المتحدة على دعم ما تبذله به الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي من جهود لإنهاء بعض من أكثر الصراعات زعزعة للاستقرار في العالم - صراعات تؤدي إلى هجرة جماعية من جنوب السودان، وتغذي الجماعات الإرهابية في الصومال.

ولكن هناك حقيقة مهمة أخرى لا بد من فهمها: الأمن داخل حدود الدول لا يمكنه أن يحقق منافع التنمية الاقتصادية إلا إذا رافقه أمن بين الدول.

ولطالما آمنت بريطانيا بأن أفضل وسيلة لتحقيق الاستقرار الذي نسعى إليه بين الدول تكون عبر إطار من القوانين والأعراف والمؤسسات التي تشكل فيما بينها النظام الدولي القائم على القانون والذي تمت بلورته في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والذي يكمن ميثاق الأمم المتحدة في صميمه.

ومن أركان هذا النظام ضرورة احترام الدول للوحدة الإقليمية والاستقلال السياسي لبعضها البعض.

وعندما تتحدى الدول تلك القواعد، فإن من واجبنا جميعا أن نهب وبسرعة وبصورة لا لبس فيها للدفاع عن الضحايا. وهذا ما يدعونا لأن نقف إلى جانب الشعب الأوكراني. ولا بد للأفعال غير المشروعة وعدوان الدولة أن تكون لها عواقبها، وإلا فإنها ستقوض النظام الدولي بشكل يدمره. ونحن، الأمم المتحدة، نصر على أن تُحل الخلافات والنزاعات داخل إطار عمل القانون الدولي، وليس خارجه.

ولا بد للإرادة الجماعية لمواجهة التهديدات لأمننا أن تتسع لتشمل الخطر الذي يشكله علينا تغير المناخ. وهو ليس خطرا على البيئة وازدهارنا وحسب، بل على أمننا أيضا.

حيث أن أثر ارتفاع مستويات البحر وارتفاع درجات الحرارة عالميا سوف نشعر به جميعا، غير أن وقعها سيكون أشد على الكثير من الدول الأكثر فقرا وعلى من هم أقل قدرة على التكيف.

وبالتالي لن تكتفي المملكة المتحدة بخفض الانبعاثات داخل حدودها وحسب، وإنما ستزيد دعمها أيضا، كما أعلن رئيس وزرائنا يوم الإثنين، لتمويل الدعم المتعلق بالمناخ للدول المعرضة لخطر تغير المناخ ليصل إلى 9 مليارات دولار خلال السنوات الخمس القادمة.

علينا أن نعمل باتجاه التوصل لاتفاق قوي وفعال خلال مؤتمر الأطراف في باريس في شهر ديسمبر… بحيث يكون مبنيا على التزامات واضحة من جميع الدول بخفض مستويات الانبعاثات بصورة أكبر…مع التزام جماعي بالحفاظ على الهدف المنشود لتحديد ارتفاع درجة حرارة العالم بدرجتيْن فقط.

بعد مرور 70 سنة على انعقاد أول جمعية عامة، تقف الأمم المتحدة، رغم ما يعصف بها من موجات أزمات دولية، صامدة شامخة وفي صميم النظام الدولي.

وقد لعبت عبر سبعة عقود دورا حيويا وأساسيا في معالجة كل ما واجهناه تقريبا من التحديات.

وسيكون من عوامل نجاحها مستقبلا مزيد من التطوير، وقبول التغيير، والحفاظ على مكانتها في القرن الحادي والعشرين.

على الأمم المتحدة أن تجهد في تجسيد الحقائق الجديدة لعصرنا، عبر إدخال إصلاحات على مجلس الأمن.

لا بد أن تتمتع بأفضل قيادة ممكنة، وبنظام شفاف لاختيار الأمين العام التالي…

… وأن يرأس (وربما أجرؤ وأقول ترأس؟) منظمة أكثر فعالية، مع ضمان إنفاق كل ما تتسلمه من الدول الأعضاء فيها لتحقيق أقصى فائدة.

وبصفتها دولة مؤسسة للأمم المتحدة، وعضوا دائما في مجلس الأمن، ستتزعم المملكة المتحدة أجندة هذا الإصلاح.

وسنواصل الدعوة إلى المثل التي تجسدها الأمم المتحدة.

قبل سبعين عاما، صمم جيل على صياغة عالمه وفقا لرؤية ترنو إلى السلام والأمن والقيم العالمية الشاملة.

واليوم، ما زال تحقيق هذه الرؤية بمجملها يراوغنا. ولكننا أثبتنا أننا حين نعمل معا بشكل جماعي، نستطيع أن نخطو خطوات واسعة باتجاه تحقيقها.

والآن، علينا أن نعقد العزم على إبداء هذه الإرادة الجماعية. لا بد أن ندرك أن ليس واجبنا الأخلاقي وحسب، بل هو من مصلحتنا الوطنية جميعا أن نتجاوب مع الأزمات الإنسانية العصيبة التي نواجهها. وأن نعالج أسباب الصراع والفقر وعدم الاستقرار. وأن نتمسك بالنظام الدولي القائم على الأنظمة والقوانين.

أصبح العالم الآن أفضل بسبب تأسيس الأمم المتحدة من جانب أسلافنا قبل 70 عاما. ومن خلال تمسكنا بصلابة بمثلنا كأعضاء في الأمم المتحدة، في وجه كل التحديات وجميع الإغراءات، سنحافظ على الإرث الذي تركوه لنا ونستمر في بناء أسس عصر أفضل؛ عصر السلام والأمل والكرامة للجميع.

شكرا لكم.