كلمة

"نظام الأسد هيأ البيئة لنمو التطرف، ونمو داعش على وجه الخصوص"

مداخلة وزير الخارجية، فيليب هاموند، في الجلسة المفتوحة بمجلس الأمن حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكان تركيزه فيها على الوضع في سورية وداعش والتطرف العنيف والتدخل الروسي في سورية.

ليس لدى أحد منا أدنى شك بأن أيديولوجيات التطرف العنيف بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشكل تهديدا خطيرا للسلام والأمن الدوليين، ولاستقرار المنطقة، وللحياة المدنية في أنحاء العالم.

وبمواجهة هذه الأيديولوجيات نشن صراع جيل لن ننتصر فيه إلا في حال تحدثنا بصوت واحد وتصرفنا مدفوعين بإرادة واحدة.

وفي نفس الوقت، علينا منح الأمل لمن باتوا يائسين من فرصة أن يكون لهم مستقبل أفضل، وقد يميلون للانضمام للمتطرفين العنيفين. سواء كانوا فلسطينيين يشعرون بالإحباط ولا يرون أملا باستئناف عملية السلام في الشرق الأوسط، أو عراقيين من السنة الذين ينتظرون تحقق الشمولية التي وعدهم بها رئيس الوزراء العبادي، أو معارضين معتدلين من سورية لا يجدون طريقا آخر لمحاربة الأسد.

لقد جمع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة للتصدي لداعش ما يفوق 60 دولة من المنطقة وخارجها لمقاتلة داعش.

ولعبت المملكة المتحدة دورا كبيرا في تنفيذ ضربات جوية في العراق، وتظل ملتزمة بجهود التحالف باعتبارها أفضل آلية لشن رد موحد وشامل ضد داعش.

وقد حققنا بالفعل نجاحا ملموسا، حيث ساعدنا في وقف التقدم المفاجئ لداعش في أنحاء العراق السنة الماضية، ومع مرور الوقت أوقفنا حرية نشاطهم في أكثر من 30% من الأراضي العراقية التي كانت يوما تحت سيطرتهم. هذا إلى جانب قطع موارد تمويلهم ومواجهة حملاتهم الدعائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن مازال هناك الكثير مما يجب عمله، ولا نخفي واقع أن هذه الجهود سوف تستمر على المدى الطويل.

كما أننا نتفق جميعا بأن السوريين قد عانوا أكثر مما يُحتمل ولفترة طالت أكثر مما يُحتمل.

علينا أن نهب لمساعدتهم. وأود أن أنتهز الفرصة للإشادة بسخاء تركيا والأردن ولبنان، بشكل خاص، لاستضافة ملايين اللاجئين الذين فروا من عنف الحرب الأهلية السورية طول السنوات الماضية.

قدمت المملكة المتحدة 1.1 مليار جنيه استرليني من المساعدات الإنسانية استجابة للأزمة السورية ولمساعدة الدول المجاورة التي تستضيف اللاجئين.

وليست هناك حلول دائمة لهذه التحديات دون تحقيق السلام الدائم والاستقرار في سورية. ولتحقيق ذلك الاستقرار علينا بذل أكثر من مجرد الاستجابة للعواقب الإنسانية للصراع.

لكن لمساعدة سورية في الخروج من هذه الأزمة، يجب أن نكون واضحين بشأن سبب نشوء الأزمة أصلا.

إن نظام الأسد هو من أوصل سورية إلى هذه الأزمة. حيث أن قمعه الوحشي لمظاهرات سلمية، وما أعقبها من سنوات من الاعتداءات العشوائية على المدنيين، خصوصا بالاستخدام العشوائي للبراميل المتفجرة، كان هو السبب الأساسي. لقد هيأ نظام الأسد البيئة لنمو التطرف، ونمو داعش على وجه الخصوص.

وبالتالي نرفض مشورة من يقولون بأن سم الأسد هو العلاج لسرطان داعش. حيث أن الأسد هو من أفرج عن الجهاديين في المراحل الأولى من هذا الصراع.

والأسد هو من يواصل المتاجرة معهم حتى الآن. كما أن عدد المدنيين الذين تقتلهم قوات الأسد في سورية كل شهر أكبر من المدنيين الذين تقتلهم أي جماعة أخرى.

إن الأسد كان، ومازال، أحد أكبر عوامل تجنيد داعش، وتظل قواته عازمة على تدمير المعارضة المعتدلة والمناطق المأهولة بالمدنيين.

وكل محاولة للتحالف مع الأسد ضد داعش لن تؤدي سوى لتقوية شوكة إرهابيي داعش، ما يجعلهم بمثابة قادة بحكم الواقع للمقاومة السنية لنظام الأسد.

إن من حق الشعب السوري علينا أن نؤمِّن لهم مستقبلا يخلو من كل من إرهاب داعش وطغيان الأسد.

ذلك لأن سورية يمكن أن تكون شريكا فعالا في التغلب على التطرف العنيف إن كان لديها حكومة ممثلة للجميع: حكومة قادرة على العمل مع المجتمع الدولي لمواجهة داعش عسكريا والتصدي لدعايته الملتوية.

وبالتالي فإن أفضل مساهمة يمكن أن يقدمها الأسد ومن حوله الآن هي وضع مصالح بلادهم قبل مصالحهم الشخصية، والتنحي الآن لإتاحة انطلاق عملية انتقال سياسية تؤدي لإنهاء الحرب الأهلية وتتيح للسوريين الاتحاد في كفاحهم ضد التطرف الإسلامي.

عملية انتقال تتيح تشكيل حكومة جامعة وممثلة لمختلف السوريين، وتتيح للشعب السوري بدء مهمة إعادة بناء بلدهم.

وأفضل مساهمة يمكن أن نقدمها نحن هي مساندة جهود المبعوث الخاص للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، في التفاوض بشأن عملية الانتقال هذه، والوقوف مستعدين للعمل مع كافة الشركاء لتحقيق ذلك.

في الأسابيع القليلة الماضية تغيرت الوقائع على الأرض في سورية. حيث أن التدخل الروسي قد رفع الروح المعنوية للنظام وعزز قدراته.

لقد اتخذت روسيا قرار كبيرا واضطلعت بمسؤولية ثقيلة بمساندتها علنا للأسد، بينما يواصل هو ترهيب شعبه.

يتوقع المجتمع الدولي من روسيا استخدام نفوذها المتنامي لمنع النظام من استخدام أسلحة كالبراميل المتفجرة التي تستهدف وتقتل آلاف المدنيين الأبرياء، واستخدام أي مواد كيميائية كأسلحة.

وقد سمعنا في الأيام القليلة الماضية عزم روسيا على استخدام القوة ضد داعش، ونحن نرحب بتركيزها هذا. لكن، وللأسباب التي أشرت إليها من قبل، ليس بالإمكان أن تكون طرفا فعالا في التصدي لداعش وأن تستخدم نفس القوة في نفس الوقت للاعتداء على المعارضة المعتدلة التي تقاوم قمع نظام الأسد.

وأقول هنا بوضوح أن الإجراءات المتخذة مساندة للنظام لا تتوافق مع مواصلة الحرب الفعالة ضد داعش في سورية.

هذا ليس حكما أخلاقيا، بل هو حكم براغماتي. وقد سمعنا صباح اليوم نبأ شن أول ضربات جوية روسية في سورية. وروسيا مدركة تماما للرسالة التي توصلها تلك الضربات الجوية.

فأهداف تلك الضربات الجوية لن يكونوا قد اختيروا اعتباطا أو عشوائيا؛ ومن الضروري أن تتمكن روسيا من أن تؤكد للمجتمع الدولي أن إجراءها العسكري الذي اتخذته في سورية صباح اليوم موجه ضد أهداف من داعش وجماعات موالية للقاعدة فقط وليس ضد المعارضة السورية المعتدلة لنظام الأسد.

لقد استمعت أيضا لمن قالوا أن على الشعب السوري أن يقرر من خلال الانتخابات ما إذا كان على الأسد البقاء أم الرحيل. إنني أرى ذلك وهما لا أكثر. وهو يخالف الواقع على الأرض. فكيف يمكن إجراء انتخابات نزيهة في بلد فقد ربع مليون قتيل بينما 12 مليون من مواطنيه باتوا نازحين، والكثير منهم خارج الحدود.

إن إبراء هذه الجروح يبدأ فقط بعد رحيل الأسد، سواء كان ذلك في بداية عملية انتقالية أو في وقت لاحق خلالها.

هناك بالطبع سبيل للمستقبل في حال شهدنا نهاية لإسقاط البراميل المتفجرة والاعتداءات العشوائية ضد المدنيين… وفي حال الشروع في نفس الوقت بعملية سياسية تؤدي إلى سورية جديدة لديها حكومة جديدة بدون الأسد، وحينها يمكننا تركيز جهود المعارضة على مكافحة داعش.

والسؤال المطروح على المجلس هو ما إذا كان من لديهم النفوذ لتحقيق هذه النتيجة لديهم الرغبة باستغلال نفوذهم لتحقيقها.

أدعو أعضاء مجلس الأمن للاتحاد لتحقيق مستقبل لأجل سورية.

شكرا لكم.